تقارير

المواقع الأثرية بمدينة الرقة

تاريخٌ تضمحل ملامحه تدريجياً بعد سنوات الحرب

الرقة: عبد الله الخلف

بعد أن كان سوراً كبيراً يحيط بـ مصيف هارون الرشيد “الرقة” قبل اثني عشر قرناً أيام الدولة العباسية، أصبحت اليوم أجزاء منه مكباً للنفايات، وتدمرت بعض من جدرانه نتيجة القصف خلال معارك طرد تنظيم “داعش” نهاية عام 2017. ويوماً بعد آخر تغيرت ملامح سور الرافقة الأثري بمدينة الرقة، واتشحت بعض جدرانه بالسواد بسبب حرق أسلاك النحاس من قبل بائعي الخردة. وبالقرب منه وُضِعت سيارات محترقة وكومةٌ من الخردة وافتتحت محال ميكانيك ومغاسل للسيارات!
وقد تعرض سور الرافقة الذي يحيط بالمدينة القديمة لأضرار بليغة؛ حيث عمد عناصر تنظيم “داعش” إلى فتح ثلاث فوهات لربط الأحياء القديمة بمركز الرقة، الأمر الذي خلف أضراراً جسيمة في جسم السور القديم. ويعتبر هذا السور من أهم الآثار التي بقيت منذ حقبة العصر العباسي، وبقي شاهداً على أصالة الرقة وعراقتها.
يقول محمد اليوسف أحد سكان المنطقة التي يقع فيها السور شرقي الرقة، إنه صُدم عندما عاد للبلاد قبل سنة وشاهد ما حدث لملعب طفولته: “كان السور أجمل ما في الرقة، أما اليوم أصبح المشهد موحشاً ومؤلماً، أكوام من النفايات والخردة تحيط به، وحتى جدرانه أصبحت دفتراً للمراهقين يكتبون عليها”.
الحالة السيئة التي وصل إليها سور الرافقة الأثري لا تختلف كثيراً عن باقي المواقع الأثرية في الرقة، مثل الجامع العتيق وقصر العذارى وقلعة جعبر وقلعة الرصافة وغيرها.. التي أهملت منذ بدء الحرب السورية قبل 11 عاماً، ورغم وجود مبادرات لتنظيف المواقع الأثرية وترميم أجزاء منها من قبل سلطات الإدارة الذاتية وبعض منظمات المجتمع المدني، إلا أنها “غير كافية ولا ترقى لمستوى الأضرار الهائلة في السور” وفق ما قال محمد العزو الباحث في الآثار.
ويشير العزو إلى أن مساعي ترميم آثار الرقة بطيئة للغاية وغير كافية، وأكبر شاهد على ذلك متحف المدينة، الذي كان يفترض أن يعاد افتتاحه قبل أكثر من سنتين، ولكن إلى الآن ما يزال مهجوراً، ويقول العزو: “كنت أمين المتحف لغاية اندلاع الحرب وسيطرة “داعش” التي حطّمت قسماً من القطع الأثرية، ونهبت قسماً آخر، وشوّهت اللوحات الفسيفسائية الأثرية في المتحف، ولكن بعد المعركة أين تلك الآثار؟ لم تعد موجودة.. معظمها سُرقت أو خُرّبت!”.
أما باب بغداد، ويقع بالجهة الشرقية للمدينة، والذي بني على زمن الخليفة المنصور عام 772 ميلادي، وفي جواره يقع سور الرافقة المحيط بالمدينة القديمة، ويبلغ طوله قرابة 5 كيلو متراً، إلى جانب الجامع العتيق وسط المدينة، وهو مسجد أثري بني بالتزامن مع بناء سور الرافقة وباب بغداد، وتبلغ أبعاده 100 متر طولاً و98 متراً عرضاً، ولم يتبق منه سوى السور الخارجي وواجهة الحرم والمئذنة المبنية في عهد الدولة الزنكية.
وخلال سنوات الحرب تحولت ساحة الجامع العتيق لمقبرة جماعية أيضاً، ويقول عزت الموح مدير منظمة “رؤية” المختصة بالمواقع الأثرية في الرقة لمجلة طلعنا عالحرية إن الدعم لجهود إحياء الآثار خجولة للغاية، “للأسف لا يوجد اهتمام من البرامج المختصة بتمويل المنظمات لترميم الآثار في الرقة، ولكن حالياً هناك تواصل بيننا وبين منظمة فرنسية من أجل إطلاق مشروع لترميم عدة مواقع أثرية”، مضيفاً بأن تلك المناقشات مستمرة: “نأمل أن نحصل نحن أو غيرنا على دعم لترميم الآثار وإنقاذها في محافظة الرقة قبل أن يسوء وضعها أكثر”.
وتقول نوال (45 سنة) التي تعمل مدرسة وتقيم في الشارع الذي يقع فيه المتحف، وقد عادت لمنزلها قبل 3 أعوام: “قبل 2011 كانت صالات المتحف تعرض لوحات فسيفسائية وتماثيل وآثارا تاريخية، إضافة إلى لوحات خزفية ومخطوطات قديمة، كان مكاناً يضم بين أجنحته تاريخ الرقة”، أما اليوم فناء المتحف بات شبه فارغ والقطع الأثرية الموجودة لا تساوي تلك التي كانت معروضة فيه قبل اندلاع الحرب.
ويقع متحف الرقة في مركز مدينة الرقة وتبلغ مساحته نحو 811 متراً مربعاً، وهو عبارة عن بناء من طابقين وحديقة خلفية صغيرة. وقد كان يتألف الطابق الأرضي للمتحف من بهو للدخول وأربع صالات للعرض وغرفة إدارية، فيما كان يتألف الطابق الأول من 6 صالات للعرض وغرفة إدارية، بالإضافة إلى صالة استقبال مركزية.
من ناحيته يقول زرادشت عيسو مدير مكتب الآثار في الإدارة الذاتية إن ترميم المناطق الأثرية بحاجة لخبرات كبيرة، وكوادر بشرية وميزانيات مالية هائلة، وهذا ليس متوفراً لدى الإدارة، كونها ما تزال إدارة ناشئة محلية على حد قوله، ليزيد: “كل اهتمام الإدارة منصب على المشاريع الخدمية والمعيشية والصحية والتعليمية، ونحن أعددنا دراسة من أجل القيام بصيانة إسعافية للمواقع الأثرية المهددة بالانهيار”، كاشفاً في حديثه لمجلة طلعنا عالحرية أنهم لا يمتلكون القدرة بمفردهم على ترميم جميع تلك المواقع: “سابقاً كانت الحكومة السورية تلجأ للبعثات الأجنبية في أعمال الترميم بشكل دوري سنوياً، وهذا غير متاح حالياً بالنسبة لنا، نأمل أن يتم تقديم دعم من دول التحالف الدولي وإرسال بعثات أجنبية لمساعدتنا”.
وبحسب المديرية العامة للآثار والمتاحف في حكومة النظام السوري فإن قرابة مليون قطعة أثرية في سوريا سُرقت، كما تعرضت نحو 710 مواقع أثرية لأضرار تراوحت بين ضرر جزئي أو اندثار وتهدم كامل.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top