تقارير

المجتمع المدني السوري أداة بيد الأطراف أم منصة للمدنيين؟

أحمد المحمود

السياسة في سوريا تتسلل إلى غرفة المجتمع المدني في جنيف!

سوريا جنة العمل المدني والسلم الأهلي إذا ما نظرنا إلى أعداد منظمات المجتمع المدني السوري، لكن تأثير هذا العدد الكبير على مجرى الأحداث يبقى محل جدال.
بحسب دراسة لمنظمة (مواطنون لأجل سوريا)، فإن أكثر من ألف منظمة سورية أنشئت منذ عام 2011، حتى 2017 فقط! ما يطرح تساؤلات حول جدوى وتأثير عمل هذه المنظمات على الأوضاع في سوريا، وخاصة بعد تشكيل لجنة المجتمع المدني في اللجنة الدستورية من قبل الأطراف السياسية. ما ينفي صفة الحياد عنهم!
“لم تعرف سوريا قبل الثورة السورية عام 2011 أي أعمال للمجتمع المدني، واقتصر دوره على نقابات وجمعيات تعمل بظل النظام السوري وتتبع له بشكل أو بآخر”. وهذا مبرر كاف بحسب سعاد (اسم مستعار) وهي مديرة منظمة في دمشق، لقصر دور المجتمع المدني، لأن “السوريين يمارسون العمل المدني والعمل السياسي لأول مرة في تاريخهم الحديث”.


“القطاع الثالث” مسلوب من حياديته
على الرغم من أن الأمم المتحدة عرفت المجتمع المدني على أنه “القطاع الثالث من قطاعات المجتمع”، إلا أن قطاع المجتمع المدني السوري كان يتبع للأطراف بسوريا، ومنقسم على نفسه أيضاً، فمنظمات المجتمع المدني العاملة بمناطق سيطرة النظام تترأسها “الأمانة السورية” التابعة لأسماء الأسد، وعلى الطرف الآخر كانت بعض منظمات المجتمع المدني العاملة في مناطق المعارضة تحمل وجهة نظر المعارضة وبعضها مستقل.
تقلل سعاد من القلق بشأن استقلالية المجتمع المدني في اللجنة الدستورية، موضحة:” من الطبيعي أن يكون هناك انقسام لأننا كسوريين نمارس عملاً مدنياً لأول مرة بحياتنا، ونفس الشيء بالعملية السياسية، ومن المؤكد أن العمل المدني أو السياسي لن يكون مرضياً للجميع، لأنه يوجد عملية سياسية أكبر من كل الأطراف، لكن رغم ذلك فوجود حصة للمجتمع المدني بالعملية السياسية هو بحد ذاته إنجاز حتى لو كان وجودها صورياً”.
كان المبعوث الأممي إلى سوريا السابق ستيفان دي ميستورا، قد شكل غرفة المجتمع المدني في جنيف، وهدفها إشراكه بالعملية السياسية بين المعارضة والنظام، لكن غرفة المجتمع المدني تحولت لمنصة أخرى للأطراف السورية، حيث انقسمت القائمة إلى 27 اسماً اختيرت من قبل النظام السوري، و20 اسماً وافقت عليها المعارضة، مع وجود ثلاثة أسماء مفروضة من الأمم المتحدة، أما في القائمة المصغرة فاختار النظام ثمانية أسماء، ووافقت المعارضة على خمسة، وفرضت الأمم المتحدة اسمين.
الدكتورة رغداء زيدان من لجنة المجتمع المدني في جنيف، تقول:” تشكيلة اللجنة الدستورية فيها كثير من الشوائب المعروفة، وكان على الأمم المتحدة مسؤولية اختيار هؤلاء ليكونوا صوت المجتمع السوري من جهة، وأيضاً صلة وصل بين الوفدين الآخرين من جهة أخرى، لكن ما حدث أن اختيار الأعضاء تدخلت فيه الدول، فتم رفض أسماء من قبل النظام، الذي أصر على طرح أسماء أخرى تمثله، كان منهم من طالب منذ بدء أعمال اللجنة بحل هذا الوفد وتوزيعه بين الوفدين بحجة أنه لا يوجد مجتمع مدني في سوريا”.
وتؤكد عضو اللجنة الدستورية، أن وفد المجتمع المدني رغم احتضانه أتباعاً للنظام تتسق مصالحهم مع مصالحه، لكن أيضاً يضم خبرات جيدة حتى بين القادمين من دمشق، مضيفة: “ فيه تمثيل مقبول للمرأة كذلك، ولكن وجود أفراد تابعين للنظام ينفذون إرادته أدى لحصول هذا الانقسام، فهم ما زالوا يرفضون العمل باسم المجتمع المدني، وصرح بعضهم بشكل واضح بمرجعتيه للنظام منذ اليوم الأول من اجتماعات اللجنة الدستورية”.


فوضى وغياب للتنظيم
“إن العمل المدني في سوريا لم يأخذ دوره كاملاً، بمعنى أنه اليوم لا يوجد لدينا انتخابات ديمقراطية كي نأخذ دور مراقبة الانتخابات، والتي هي أحد أدوار المجتمع المدني، لا يوجد أحزاب سياسية لنأخذ دور المراقب، ولا شفافية بتغيير القوانين لنعمل على تغييرها”، تقول سعاد.
رغم هذا السياق المعقد في مناطق سيطرة النظام، تؤكد سعاد:” استطعنا تحقيق العديد من الأشياء من بينها تغيير قانون “جرائم الشرف” في شهر آذار عام 2020، فهذا لم يكن ليحدث لولا حراك المجتمع المدني، وحتى لو كان المجتمع المدني تنقصه الحوكمة وآليات العمل والتنظيم، لكن رغم ذلك استطاع تغيير العديد من الأفكار ودور الأفراد. لذلك الحديث عن عدم وجود تأثير للمجتمع المدني هو إجحاف”.
وفي السياق، تقول الدكتورة رغداء زيدان: “إن المجتمع المدني السوري انخرط انخراطاً كبيراً في الحراك، عن طريق الفعل الثوري السلمي نفسه، كالوقفات والمظاهرات والاعتصامات، بالإضافة للعمل الإغاثي والإنساني والطبي” مضيفة: “لكن رغم كل هذا كان هناك عدم تنظيم للجهود، وعدم تكامل أيضاً، وعدم استثمار حقيقي، وربما فوضى أحياناً، وهو ما يعيدنا لحقيقة نقص الخبرة في عمل المجتمع المدني السوري نتيجة تغييبه على يد نظام الأسد طوال العقود الماضية”.


جدوى كبيرة رغم صغر الخطوات!
بعيداً عن أعمال اللجنة الدستورية والعملية السياسية، فإن كثيرين يرون أن منظمات المجتمع المدني لم تقم بأدوارها المجتمعية، واقتصر معظم أعمالها على تقديم الخدمات -رغم ضرورتها- لكن تم تقييدها بدور البلديات، فعلى سبيل المثال في مدينة الرقة التي خرجت من تحت سيطرة تنظيم داعش أواخر عام 2017، أخذت أغلب المنظمات عمل البلديات من تنظيف وتأهيل طرقات دون تغطية احتياجات المجتمع الخارج من سيطرة أعنف تنظيم إرهابي شهده العالم مؤخراً.
في هذا الصدد ترى سعاد أنه لا يمكن القفز فوق احتياجات المجتمع الخدمية، متسائلة: “كيف يمكنك الحديث مع شاب عن الدستور وإذا قرأه أو لا، وهو ملاحق لخدمة الاحتياط بجيش النظام السوري، أو كيف يمكنك الحديث مع امرأة عن حقوقها وهي لا تستطيع تأمين حليب لأطفالها؟”.
سعاد اعتقلت أكثر من مرة من قبل النظام السوري بسبب موقفها تجاهه. تؤكد أن هناك جدوى من العمل المدني رغم بطء خطواته، وتضيف: “صحيح أننا لا نستطيع تطوير مستويات أعلى من العمل المدني بسبب العقبات الأمنية التي يفرضها النظام السوري، لكن رغم ذلك يجب أن نواصل عملنا”.
من جانبها ترى عضو اللجنة الدستورية رغداء زيدان، إن جدوى وجود المجتمع المدني في اللجنة الدستورية مهم جداً ويمكن استثماره، وبحسب رأيها: “سيسلط الضوء على ضرورة العمل المدني وتأثيره في صناعة القرار، وهو أمر لافت، خاصة في بلد كسورية غيّب فيه الاستبداد العمل المدني منذ خمسة عقود، هذا برأيي سيؤسس لسقف من المشاركة المجتمعية في رسم مستقبل سوريا”.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى