مقالات رأي

الفلسطينيون في الداخل زمن الوعي العابر للتقسيمات

مرزوق الحلبي

دالية الكرمل – فلسطين 48

سأسمّيها “واقعة الشيخ جرّاح” متعمّدًا وإن كانت غابت لبعض الوقت في أحداث الأقصى الشريف ومن ثم في معمعان الطحن الذي تتعرّض له غزة الآن، والانقضاض غير المسبوق للسلطة الإسرائيلية مدعّمة باليمين الاستيطاني وميليشيات ظهرت في بعض المواقع على العرب الفلسطينيين في المدن الساحلية. (عند هذه النقطة دخلت عليّ ابنتي لتخبرني أن قوات الاحتلال اقتحمت أحد بيوت حي الشيخ جراح واعتدت على أهله بوحشيّة)!
الحي الواقع شرقيّ القدس العربية يتعرّض منذ سنوات طويلة إلى محاولات تهجير أصحابه الفلسطينيين ووضع اليد عليه بكل الطرق الممكنة، وغالباً بالاحتيال والتزوير. هذه المرة حاولت جمعية استيطانية احتلالية استصدار أمر إخلاء لحوالي ثلاثين عائلة دفعة واحدة. الأمر الذي تحوّل إلى معركة على المكان، شارك فيها يهود يساريون من خلال وقفة احتجاجية متواصلة، استقطبت الرأي العام واهتمام الممثليات الأجنبية. الأهمّ أنها تحوّلت إلى قصّة صمود بطولية لأهلها وحشود المتضامنين.
تزامنت “واقعة الشيخ جرّاح” مع فتح الاحتلال لجبهة ثانية في مدينة القدس العربية، انتقلت من باب العامود ملتقى الأهل، الذي أقفله الاحتلال بالحواجز أيام عيد الفطر، إلى باحات الحرم القدسي، الذي اقتحمته قوات الاحتلال مرات عديدة، واعتدت فيها على البشر والحجر والمعالم.
في كل هذه المواقع خسر الاحتلال الرهان، وتراجع أمام عنفوان الناس، وأدّت اعتداءاته إلى موجة احتجاجات طالت مدن الساحل الفلسطينية، حيث خرجت تظاهرات حاشدة بترتيب الجيل الشاب، وأربكت السلطة الإسرائيلية، وشوّشت حساباتها التي لم تنتبه إلى هذه الطاقة الشبابيّة التي شبّت على طوق التوقّعات الرسمية، وأبدت وعيًا سياسيًّا هويتيًّا منقطع النظير، عجزت حتى القيادة العربية الفلسطينية في الداخل عن فهمها.. وليس للمرة الأولى. فقد تكشّفت هذه الطاقات من قبل في المدن الساحلية نفسها، والبلدات الجبليّة، حين انطلقت في سلسلة أعمال احتجاج، كانت أشهرها قبل ثلاث سنوات، ضدّ مشروع تهجير للعرب في منطقة النقب جنوب فلسطين.
ليست صُدفة أن القمع السلطوي المدعوم من اليمين الفاشيّ وميليشيات مسلّحة غير معروفة الهويّة يستهدف في الأيام الأخيرة قمع العرب الفلسطينيين في مدن الساحل الفلسطيني. وأن موجة الاعتقالات تستهدف هذا الجيل الشاب تحديداً.


الوعي العابر للتقسيمات
في محاولة أولى لي لقراءة ما حصل من زخم نضاليّ فلسطيني في مواقع الداخل، خلصتُ إلى أن هذا الجيل الشاب تجاوز في وعيه الهويتيّ المرحلة التي بلورت وعي آبائه وأجداده. فهو ولد وترعرع في سنوات ما بعد فشل اتفاقيات أوسلو. وبعد أن تكرّس الاحتلال والاستيطان في المناطق المحتلة، وصار نظام أبرتهايد واضح المعالم. بمعنى أن هذا الجيل محرر تمامًا من وعي “خيار الدولتيْن” وتقسيم الفلسطينيين جغرافيًا؛ بين فلسطينيين شرقيّ الخط الأخضر وفلسطينيين غربي الخط الأخضر (خط الحدود بين إسرائيل والأردن حتى حزيران 1967). وهو تقسيم أقام فوارق في السلوك السياسيّ أيضاً. فكانت المشاريع السياسيّة للفلسطينيين في إسرائيل تقول بأنهم إسرائيليون في المواطنة وفلسطينيون في القومية، وإن نضالاتهم تحصل ضمن القانون الإسرائيلي وضمن لعبته السياسية، لا سيما في البرلمان.
خلافًا لهذا الوعي المسقوف إسرائيليًا، نشأ وضع يرى فيه الجيل كل فلسطين وليس جزءًا منها. ونقلوا وعيهم وطاقتهم من فهم الوضع على أنه احتلال إلى فهمه على أنه نظام أبرتهايد واحد، من البحر إلى النهر. وهذا يعني أن لا فرق بين ما يحدث في الضفة وبين ما يحدث في الساحل الفلسطيني. السلطة واحدة والقمع واحد والمنظومة واحدة. وأن الأمل بكنس الاحتلال أخلى دوره للأمل بتفكيك نظام الأبرتهايد عبر تحدّيه بوعي يربط بين كل مواقع الفلسطينيين في المساحة بين البحر والنهر.
على مستوى آخر من الوعي الجديد هذا يكمن الرفض القاطع للتقسيم الطائفيّ البغيض. فقد شوهد أبناء المجتمع الفلسطيني يهبّون إلى نشاطاتهم بعلم فلسطيني واحد موحّد. وهو فعل واع يتحدّى التشرذم الداخلي، وتهافت العقائد القديمة العلمانية منها والدينية، المؤطّرة في تشكيلات سياسية يبدو أنها في نهاية أيامها. بدلالة أن 50% من العرب الفلسطينيين في الانتخابات الشرعية الأخيرة في إسرائيل قاطعوا الانتخابات. وقد برزت فئة الشباب بين المقاطعين.


من وعي المكان إلى وعي المعنى!
أمكننا أن نرى ما يحصل بين العرب الفلسطينيين في الداخل على أنه ذاك الانتقال من الوعي بالمكان، على اعتبار أنه الذي يُشكّل الهوية، إلى الوعي بالجماعة ككيان ذي معنى ينبغي حمايته وتعزيزه. أي إلى تحويل الكرامة الإنسانية الجماعيّة، ورفض القهر، إلى محور النضال والخطاب. وهو رفض للقهر في غزة وحيفا وجنين والخليل والنقب والجليل. هو الرفض ذاته لنظام المستعمِرين الذين لن يستطيعوا بعد الآن تقسيم الوعي الفلسطيني جغرافيًا والسيطرة عليه. أو لنقلها بكلمات أخرى: هو عدم الوقوع في فخّ “ثقافة الحاجة” أو إغراء “الخلاص الفردي” في “جنّة إسرائيل”.
فإسرائيل الرسمية التي اجتهدت في العقود الأخيرة للبثّ في وعي الفلسطينيين بأن قضيتهم خاسرة، وأن قدرهم أن يكونوا أيدي عاملة رخيصة في المستوطنات، وجدت نفسها أمام جيل يؤكّد أن السلام مع الإمارات لا يُنقذها، وكذلك التطبيع مع المغرب، لأن في الباب ستة ملايين فلسطيني يطالبون بحقوقهم كجماعة، لا سيّما الحقّ في المدينة والكرامة الإنسانية، وأنهم ليسوا أفضل من أبناء شعبهم في الضفّة وغزة. ولننتبه إلى الحراك الذي بدأ في مدن الضفة وريفها في الأيّام الأخيرة، وهو يتلاقى مع النضال الشبابيّ في مدن الساحل.
لقد أدرك هذا الجيل أن مسألة التحرير والتحرّر لا يُمكن أن تقع على عاتق الشعب الفلسطيني في المناطق الخاضعة للاحتلال فقط، بل هو شأنهم هم على المستوى نفسه. هم كأشقائهم ملزمون بنضال لأجل التحرّر، خاصة وأن “حرياتهم” المكتسبة اتضحت كوهم، خاصة في المواجهات التي حصلت بين الفلسطينيين في الداخل وبين السلطات الإسرائيلية، وأوقعت 13 شهيداً ومئات الإصابات. يومها أيضاً، كانت الهبّة على خلفية اقتحام الاحتلال للأقصى، واندلاع الانتفاضة الثانية. يومها حسب اعتقادي وقع حدث مصمم، أدرك فيه الفلسطينيون في الداخل أنهم لم يعودوا “مواطنين” أصحاب حقوق وامتيازات قياساً بأشقائهم، وأن عليهم أن يتحملوا قسطهم من المسؤولية والثمن لأجل التحرّر.

محاولة للتلخيص
أمكننا القول موضوعيًا إن الثورات المضادة في الإقليم العربي المجاور لإسرائيل منحت إسرائيل تفوّقًّا استراتيجيًّا على العرب جميعاً. ساعد في ذلك استعمال “الخطر الإيراني” في اختراق العمق العربي في الخليج. ومن هنا فكرت قياداتها باستثماره من خلال تغييرات تشريعية تمهّد للاستحواذ على كل فلسطين التاريخية؛ عبر ضمّ المناطق المحتلة كلّها، وتحويل نهر الأردن إلى الحدود الرسمية الشرقية لإسرائيل. وفي القانون الدستوريّ من العام 2018، المسمّى بـ”قانون القومية”، قرر البرلمان الإسرائيلي أن حقّ تقرير المصير في أرض إسرائيل هو حصريًّا للشعب اليهودي. وإن جاء القانون من تفوّق استراتيجي إلّا أنه انطوى على ثغرتين في المشروع الإسرائيلي: الأولى ـ أنه أفضى إلى تعادل ديموغرافي في المساحة بين البحر والنهر، وهو تعادل أخاف المؤسسين، فعمدوا إلى التهجير والتطهير العرقي، أو رسم حدود “البيت القومي لليهود” مع ضمان أكثرية مُطلقة لليهود في داخلها. والثانية ـ لم ينتبهوا إلى أنّهم بهذه الخطوة إنما وحّدوا الفلسطينيين وأنقذوهم من الجغرافيا ووهمها.
لم تبدأ هذه السيرورة في السنتين الأخيرتين، بل كانت نواتها في فشل اتفاقيات أوسلو، وتبلور وعي أن خيار الدولتين غير قابل للحياة، وأن هناك ضرورة لاستشراف خيار آخر، يتحدى خيار الضمّ والتوسّع. وكان هذا الوعي أن معركة الفلسطينيين في الداخل لا تقتصر على الداخل، لأنه لم يعد هناك داخل وخارج بحكم السياسات الإسرائيلية وما أنجزته. وبات من اللازم تحرير الوعي من إسار الخيار الذي مات، وتطويره ضمن الخيار الذي ولد. وهو خيار الدولة الواحدة المفترض أن تكون بديلة لمنظومة القهر والتمييز العنصري القائمة الآن.
لهذه المسالة جوانب أخرى لم أطرقها لضيق المجال. مثلًا: زيادة أعداد الشبان العرب الملتحقين بالجيش الإسرائيلي، أو تحقيق الحركة الإسلامية بعض اختراق للإجماع الوطني ومحاولتها المكشوفة لتزكية حكومة يمين إسرائيلية صقريّة. هذه جوانب للسيرورات العميقة ذاتها وباتجاهات أخرى قد نخصص لها مقالا آخر في وقت لاحق.
في هذه الأثناء يقود الجيل الشاب في كثير من مواقع التماس معركة حماية الأحياء والناس والممتلكات، ولا يتردد في مواجهة الشرطة المدجّجة، ولا المليشيات الداعمة لها.

Comments

comments

اضغط للتعليق

اترك رد

إلى الأعلى