مقالات رأي

العربي كفيزياء مستحيلة!

ليس للعربيّ أي مكان في الماضي ينسحب إليه. ليس لديه إلى أين يعود. أقول هذا والثقافة العربية الدينية منها والعَلمانيّة لا تزال، رغم انكسار الزوارق عند الصخور، ذات نزعة ماضويّة. عبثًا نحاول تجنيد قوانين الفيزياء لنؤكّد أن الزمن الذي مضى، مضى وانقضى. وأنك لا تستطيع أن تمكث في لحظة انتهت مهما كانت مُضيئة أو ذروة، في الحقيقة أو الوهم. ومع هذا يبدو العربيّ المتوسّط، ويتفوّق عليه المسلم المتوسّط، شغوفًا بالتاريخ حدّ الإقامة فيه، لا سيّما فيما يعتبره ذرى في هذا التاريخ أو عصرًا ذهبيًّا مُتخيّلا. فالعربيّ عمومًا، كما لاحظ مفكرون وباحثون عرب، مُصاب بالتاريخ يكتبه ويكرّره ويُعيده وينسخه بنشوة مبالغ فيها حدّ أنه أمكننا أن نقول إن التاريخ هو مرض العربيّ المُزمن.
ربّما لأن الجرح في الروح والجسد العربيين عميق مع تكرار الهزائم والانكسارات لا سيّما في العصر الحديث إلى يومنا هذا. فيأتي التعويض برواية كلّها مجد تليد و”أمّة خالدة” بل “خير الأمم” وصولًا إلى عهد النبوّة والحكم الرشيد، علما بأن المتأمّل في هذه الحقبة سيكتشف أنها لم تكن مشرقة في مستوى الاجتماع وإن كانت محفوفة بالنصر في الحروب. يتبع ذلك بطبيعة الحال ذكر القداسة والنبوّة وما انبثق عنها من مدوّنة لا تترك للعربيّ أي مجال للشك بالتاريخ ـ تاريخه.
هذه هي مدوّنة العربيّ المتوسّط عن نفسه وتاريخه، وعليه فهو يسكنها ويستبطنها أينما ذهب حتى إلى ديار الغرب وعواصمه. بل تصير هي هي الهويّة المثلى التي لا يرقى إليها شكّ مهما تتالت الهزائم والانكسارات، ومهما كان الإخفاق شاملًا. من الفشل في إدخال الخيط في خرم إبرة وصولًا إلى الإخفاق في سؤال الاجتماع على أساس العدل المعقول وإدارة المؤسّسات ودولة المواطنين وحقوق الإنسان. ولأنها هذه هي المدوّنة، لا يتردّد العربيّ المتوسّط، الفرد والجماعة، في تحويل نقائصه وهزائمه على كل الجبهات الأخلاقية والثقافية والسياسية والاجتماعية إلى فضائل يتفاخر بها أو يستعلي بها على شعوب ومُجتمعات سبقته في إنجازاتها لا سيّما في بناء نموذجها من الاجتماع المدنيّ المعقول. حالة من الغشّ الذهني التي يتّسم بها العربيّ أكثر من غيره. للحقيقة أشير إلى أن تحويل الجمود والفشل إلى موضوع مفاخرة ومباهاة ليس حصرًا على العرب موضوعنا، بل هي حالة تصيب المجتمعات العاجزة عن نزع جلودها كي تتعافى وتنهض وتُشرق. فالعجز يجعلها تقوم بفعل العاجزين ومنه تحويل العطب إلى مفخرة والتاريخ إلى يوتوبيا.
لا أحد يستطيع أن ينجو من غرق بالاتكاء على مجد غابر أو عصر ذهبيّ متخيّل. إلّا إذا كان مجبولا على العاطفة والخيال المجنّح فيركن إلى دغدغات في أسفل بطنه ويتيه من الخيلاء بينما هو في عوز أو فاقة، أو في بطرٍ أو وفرة من ريع النفط تُغنيه عن التفكير والفعل، خاصة إذا كان بإمكانه أن يشتري المجد الماديّ للتعويض عن خواء المعنى.
كلّ المدوّنة التي يعيش فيها العربيّ لا تنفعه في شيء، وكلّ النصوص دون استثناء ينبغي التعامل معها كفولكلور ليس أكثر. أمّا اللغة العربيّة على العموم فمهجورة؛ لا تقترب من العصر ولا من معضلاته، تحتاج إلى عملية تحديث وتطوير عاجلة. لغة جامدة قاصرة، تُقيم في أسر من سوريْن عالييْن من القداسة، شاده الإسلامويون والقوميون الرومانسيون العرب.
ليس أمام العربيّ سوى أن يتقدّم من حاضره إلى مستقبله، حاملًا مفهومًا جديداً للاجتماع البشريّ، ومعنى جديدًا لنفسه ولغيره. هناك ضرورة قصوى في أن يُشفى من عُقدة التاريخ والمكوث فيه كماضٍ مضى وانقضى. فلا المجد يُستعار، ولا الرفاهية، ولا الاجتماع المعقول، ولا الهويّة تُقتبس، ولا المجد الغابر، ولا أيام العزّ.. كلّها تُصنع صناعة يدويّة كلّ يوم من جديد بالفعل والتحدّي، لا بالتمعّن في نصوص تقادمت، وإلقاء خطبٍ وإنشاء خطاب نقلًا عنها.
أما منتهى الهويّة المعافاة فهو الحفر فيها ونقدها وتطويرها بعد تطبيع العلاقة معها لا مثْلَنَتها، ولا إعفاء النفس من الانكباب عليها تصحيحًا وإكسابا لمضامين جديدة تتلاءم مع الزمن وتحفر طرقها فيه. وإلّا مشى الزمن على جثثنا وغاب كما هو حاصل الآن في مواقع العرب والمسلمين.
النقل والاتباع واقتباس الأوّلين هو الفعل النابع من عُقدة التاريخ. والإبداع -إبداع ذاته ومعناه ومستقبله- هو ما يحتاجه العربيّ. والسؤال؛ سؤال الوعي والإرادة الساعية إلى صنع التاريخ لا مضغه واجتراره.
ولا يستطيع العربيّ مَوْضعة نفسه من جديد مقابل المراكز الأخرى وفي رأسها الغرب، وفي مكان عالٍ ضمن حركة التاريخ، إلّا إذا تموضع من جديد ضمن ثقافته من خلال رمي كل أحمالها المعطوبة في البحر أو في الصحاري، لا سيّما أساطيرها وغيبياتها وأوهامها، والتفكير بإمكانية العودة إلى الماضي أو استحضاره. لا يُمكن للماضي في الفيزياء أن يكون زمنًا حاضرًا أو مستقبليّا. وهذه هي أزمة فيزياء العربيّ!

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top