تقارير

الصيدلاني في ريف حلب

مهنة تغيب عنها المؤهلات الدراسية والعمل بالخبرة فقط

حسين الخطيب

تنتشر العديد من الصيدليات في ريف حلب الشمالي، ولكل مدينة كفايتها من الصيادلة، لتغطية أعداد السكان التي ازدادت خلال الأعوام القليلة الماضية، تزامناً مع غياب الرقابة الأمنية، المتخصصة بفرض العديد من القوانين الصارمة التي كانت تحدد صلاحيات الصيدلاني في إعطاء الأدوية، بحسب الوصفة الطبية.
مع غياب الصيادلة المؤهلين من أصحاب الشهادات، لأسباب أمنية وهجرة الكثيرين منهم خارج البلاد، نشطت فئة جديدة من “الصيادلة” الذين أتقنوا مهنة العمل الصيدلاني بالتعلم بعد عملهم لمدة عام أو عامين عند صيدلي قد يكون هو الآخر حصل على المهنة بالخبرة لا بالشهادة، التي تؤهله للعمل كصيدلي.
رصدت مجلة “طلعنا على الحرية” هذه القضية خلال جولة على مختلف المدن والبلدات في ريف حلب الشمالي، واطلعت على عمل الصيادلة في المنطقة؛ إذ لا تصل نسبة الصيادلة المتخصصين في هذه المهنة من أصحاب الشهادات العلمية إلى 10 % من عدد الصيدليات الموجودة في كل مدينة.
ومع قدوم الشتاء والتغيرات في الجو في مناطق ريف حلب الشمالي، أصيب معظم القاطنين في المنطقة بنزلات من البرد، والكريب وأيضاً كورونا، ما دفع الأهالي إلى طلب الأدوية والمضادات الحيوية، من خلال مراجعة الصيادلة لا الأطباء، الأمر الذي يتسبب بالعديد من الحوادث.
خالد حافظ، من مدينة مارع، ويعمل صيدلاني، قال لمجلة “طلعنا على الحرية”: “بشكل يومي كنت أقوم بحقن المرضى بحقن الالتهاب، ويتراوح عدد الحقن التي أحقنها للمرضى داخل الصيدلية بين 75 والـ 100 حقنة، ما عدا الحقن التي يتم بيعها”. وأضاف: “ازداد الطلب على أدوية الرشح والكريب إلى جانب أدوية الالتهابات، حتى إن عدداً من أنواع الأدوية المطلوبة لم تعد متوفرة آخر الليل، ومعظم هذه الحالات لا تقدم وصفات طبية”.
في حين، انعكس غياب الصيادلة المتخصصين على الأهالي الذين بدؤوا يشتكون من المشاكل التي يتسبب بها هؤلاء الصيادلة لأبنائهم، إلى جانب وقوع العديد من الحوادث؛ منها إعطاء أدوية غير مناسبة للمريض، قد تؤثر عليه دون إدراكهم مدى خطورة الأمر، كون أغلب الأهالي يعتقدون أن الصيدلاني طبيب، فيعرضون عليه الطفل لمعاينته ومنحهم الدواء المطلوب. بينما هو فعلياً لا يملك مؤهلاً دراسيّاً على الإطلاق.
محمد صالح، رجل أربعيني قال خلال حديثه لمجلة “طلعنا على الحرية”: “بعد إصابتي بنزلة برد قاسية تبدو أنها فيروس كورونا، ذهبت إلى أحد الصيادلة وشرحت له حالتي الصحية، إلا أن الصيدلاني وصف لي دواء كريب، مخصص للتحسّس الأنفي والاحتقان، الأمر الذي تسبب في ازدياد آثار المرض مع تناولي الدواء، نتيجة الآثار الجانبية، حيث ساهمت في تردي وضعي الصحي”.
وأشار إلى أن الصيدلاني الحاصل على شهادة تخصصية يمكن أن يقدم أدوية تناسب الحالة المرضية لا تفاقمها، مضيفاً: “أصبح العمل في الصيدلية كالعمل في متجر أو بقالية، لأن الصيدلاني لم يعط الأدوية بحسب أسمائها بل بحسب المضمون التي تحتويه”.
ويبدو الأمر كارثياً عندما تحولت الصيدلية من مركز لبيع المنتجات الدوائية، إلى متجر يبيع المواد الغذائية، يطلب المريض الدواء من الصيدلاني دون الأخذ بالتعليمات لأن الصيدلاني الموجود ليس لديه إمكانية فعلية لذكر التعليمات المناسبة للدواء.
من جهته علي العايد، قال لمجلة “طلعنا على الحرية” إنه تعرض لموقف سيء للغاية، ومحرج عندما أخذ أحد أطفاله إلى الصيدلاني الذي أراد حقنه بإبرة التهاب، وعندما حقن الصيدلاني الإبرة في فخذ الطفل انكسرت، مما تسبب في ضياع كامل الدواء وجروح عند الطفل.
وأضاف: “أخطاء الصيادلة في ريف حلب لا تغتفر، لأنها فعليها قد تساهم في تفاقم الأمراض لا في القضاء عليها”، وأوضح: “لم يعد لي ثقة بالصيادلة. صرت أشتري الدواء من الصيدلاني كأنني أشتري منتجاً من المواد الغذائية بحسب نوع محدد خضع لتجربتي السابقة”.
تزداد الكارثة مع انعدام الرقابة القانونية على الأدوية، التي يتم بيعها لمختلف فئات الشباب دون الاهتمام بالضرر الذي قد تسببه، بينما يبحث الصيدلاني، أو البائع على الربح فقط، ويمنح الشخص أي شيء يريده حتى ولو لم يمتلك وصفة طبيب.
ويشتكي الأهالي من ارتفاع أسعار المنتجات الدوائية، واختلاف سعر الدواء الواحد من صيدلية إلى أخرى قد لا تبعد عن الأولى سوى 50 متراً، وتفاقم أسعارها بشكل غير مسبوق قد لا يتناسب مع الدخل المعيشي لدى مختلف سكان المنطقة، في ظل غياب الرقابة القانونية والطبية، التي يجب أن تعمل على تحسين واقع الصيادلة.
وتعاني مختلف المناطق في ريف حلب الشمالي من تردي الوضع الإداري والتنظيمي للنقابات في مختلف القطاعات، الأمر الذي تسبب بمزاولة العديد من الشبان لمهنة الصيدلة، دون توفر تأهيل دراسي مناسب، يخولهم مزاولة مهنة الصيدلة ضمن أساسيات وقواعد مهمة لا يدركون قيمتها في الوقت الحالي.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top