تقارير

“الإنكار – التنديد”.. معرض تشكيلي في ألمانيا

شهدت مدينة فايمر الألمانية يوم السبت 11 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، افتتاح معرض “الإنكار- التنديد” بمشاركة الفنان السوري/ الألماني خالد عارفة، بموضوعه القديم- الجديد عن المأساة السورية، محاولاً عبر مشاركته إحياء ذكرى المعتقلين/ات والمختفين/ات قسرياً في سوريا.
ويُقام المعرض في غاليري “Acc” بالمدينة التي كانت عاصمة للثقافة في أوربا عام 1999، ضمن فعالية فنية مشتركة مع 11 فناناً من ألمانيا ودول أخرى، تحتضن أعمالهم جميعاً صالات متعددة الاستعمالات، لتتفرد أعمال الفنان السوري بقضية من أهم قضايا السوريين الباحثين عن الحرية حالياً وهي قضية المعتقلين والمختفين قسرياً.
عارفة من مواليد دمشق 1974، خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق باختصاص النحت، ومقيم في ألمانيا منذ عام 2006، يقول في تصريح لطلعنا عالحرية: “الفن غالباً ما يحمل رسائل مشغولة بأدوات الفنان، هذا ينطبق على كل أنواع الفنون البصرية والسمعية”، مضيفاً: “قبل فترة وصلتني الدعوة للمشاركة في معرض تحت عنوان (التنديد.. والإنكار)، لفترة كان تفكيري محصوراً بمعنى الكلمة، موضوع المعرض، والتي يمكن أن تأخذ معنى آخر كالوشاية، بهذه اللحظة لم أفكر إلا بصور قيصر، وبما حصل بسوريا بعد خروج الناس إلى الشارع والمطالبة بالحرية”.
شارك الفنان بعدة أعمال ما بين اللوحة والتركيب الفني، ليجسد مأساة المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا، ومحاولاً دمج المتلقي في العمل الفني؛ وذلك حين عرض مجسماً لباب المعتقل تتوسطه صورة رئيس النظام السوري بشار الأسد، وعلى الباب -الذي هو بطبيعة الحال كالمعتقلات السورية- وضع مرآة خلف القضبان، ليرى كل شخص نفسه خلف هذه القضبان ولو لثانية، وليشعر بمأساة المعتقلين وراء قضبان النظام السوري!
كان لهذا المعرض خصوصية، بتقديمه وجبة دسمة من اللوحات المعبرة عن أحوال المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا.
وكانت مشاركات الفنانين الآخرين في المعرض تندد وتستنكر المواضيع الحياتية في هذا العالم؛ كمادة البلاستيك وتأثيرها السلبي على الطبيعة والبشر، وكذلك الأمر لجائحة فايروس كورونا الذي غزى العالم.
كما شارك الفنان عارفة بجدارية قديمة منذ العام 2015، وتحكي قصة النزوح السوري إلى أوروبا، برموز وإشارات للموت والرعب الذي عاشه السوريون في رحلتهم نحو النجاة.
ثمة جدارية أخرى عمل عليها الفنان عارفة لهذا المعرض، واستوحى فكرتها من صورة نزوح أهالي اليرموك من ذاكرتهم وبيوتهم وحياتهم.. إلى أماكن أخرى في دمشق.
من هنا ربط الفنان في أعماله بين مأساة المعتقلين والمختفين قسرياً، ومأساة التهجير التي ضربت مناطق سورية كثيرة، حيث عرض هذه الجدارية للقطة الأيقونية التي وثقت تجمع المهجرين من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين عام 2018.
“الأفكار تتوالد وتنضج مع مرور الوقت وخروج الناس في صورة مخيم اليرموك ما زالت أمامي .. ومن هنا بدأت بالعمل للمشاركة بالمعرض” يقول عارفة. ويتابع: “كيف يمكن في لوحة أن أظهر وجع وألم شعب كامل تهجر في ساعات من ذاكرته وحياته وبيته؟ هذه لوحة اليرموك التي تظهر حال السوريين المهجرين من الداخل إلى الداخل، أو من الداخل إلى الشتات …”.
بين اللوحتين نشاهد عملين صغيري الحجم يحملان سنوات من عمر المعتقل، هنا يعلق الفنان عارفة: “كيف ممكن أن يكون شعور المعتقل بالوقت والأيام؟ وخصوصاً حين يبدأ بعدّ أيامه في السجن كخطوط على الجدار أربعة وبالعرض واحد ليكملوا الخمسة أيام”!
ولم يخلُ المكان أيضاً من صور متفرقة لمعتقلين ومعتقلات، تعمّد النظام محوَ أسمائهم، واستبدال أرقام بها، في تعبير رمزي عن واحدة من أسوأ الانتهاكات في هذه المعتقلات، حين يتحول المعتقل إلى مجرد رقم، “وكل ذنبه أنه قال “لا” لنظام لم يعتد على سماع كلمات على غير منوال: نعم، حاضر، أمرك وغيرها”.
“منذ العام 2016 بدأت الخروج من المأساة السورية كموضوع لكل الأعمال التي أنجزتها بين عامي 2014 وحتى عام 2016، ومن بعد هذا التاريخ، بدأت البحث عن موضوع يمثل الحال الذي وصلنا له كسوريين مشتتين في كل بقاع المعمورة” يقول خالد عارفة.
ومع كل الانكسارات التي ضربت الثورة السورية، حاول البحث عن معانٍ أخرى لشعارات الثورة الرئيسية، موضحاً: “بدأت أميل وأبحث عن معنى الهوية، الانتماء، والجذور.. وكانت الطبيعة تأخذني إليها. وبدأت تتبلور فكرة الأشجار كموضوع. والشجرة كما الأشخاص بحاجة إلى جذور في الأرض لتنمو”.

هكذا كان المعرض فرصة للفنان الممنوع من دخول سوريا، لتأكيد قوة جذوره في الثورة، عبر هذه الأعمال، حيث يستمر المعرض حتى العشرين من شهر شباط/ فبراير المقبل.
وكان الفنان خالد عارفة قد شارك في العديد من المعارض بعدة مناطق ألمانية، ولم تغب عن مجمل أعماله القضية السورية، بثورتها وأفكارها، خيباتها ونجاحاتها، هزائمها وانتصاراتها، وبطبيعة الحال، أحد أهم شعاراتها “الحرية”.
في ختام تصريحاته يؤكد عارفة أن “الفن بكل مفرداته وأدواته قادر على مساندة أي قضية في الحياة، خصوصاً في زمن التحول الرقمي” حسب وصفه، “الصورة الآن تصل إلى العالم بدقائق معدودة، لكن فكرتي ما زالت بأني أريد أن أجعل من الناس حولي، وخصوصاً المجتمع الذي أعيش فيه، يعرفون مدى الاستبداد والظلم الذي عايشه السوريون على مدار عقود منذ استلام الأسد الأب للسلطة في سوريا عام 1970” يختم حديثه.

Comments

comments

Click to comment

اترك رد

To Top