Site icon مجلة طلعنا عالحرية

اكراد كوباني: قصص الحرب والنزوح / كمال شيخو

زكو فرت من مدينتها كوباني بعد اشتداد المعارك الطاحنة هناك

زكو فرت من مدينتها كوباني بعد اشتداد المعارك الطاحنة هناك

جلست تشاهد سحب الدخان المتصاعدة من على فوق مدينتها كوباني بعد ان أجبرت مغادرتها قبل نحو عشرين يوماً. زكو والبالغة من العمر 62 سنة، كانت تأتي كل عام زيارة الى قرية “بغجة” التركية والتي تبعد خمسة كيلو متر شرق كوباني، لتطمئن على اقربائها في الجانب التركي فيما سبق، ولكن هي الان لاجئة عند أبنة أختها بعد ان فرت أثر المعارك الطاحنة في بلدتها.

متطوعة من منظمة بهار الاغاية تسائل نازحي كوباني عن احتياجاتهم

يفترشون الارض ويلتحفون السماء

وبعد اشتداد أعمال العنف والمخاوف من التعرض لانتهاكات الجهاديين المتطرفين، وتكرار مشهد شنكال العراق، دفع غالبية المدنيين من القرى والضواحي إلى الفرار إلى مركز المدينة في البداية مساء يوم الاحد (14 أيلول/سبتمبر) الشهر الماضي، إلا أنهم وبعد أيام من احتدام الاشتباكات العنيفة وسيطرة تنظيم “داعش” على 64 قرية، هرب هؤلاء مع سكان المدينة في يومي (18و19 أيلول/سبتمبر) إلى الحدود التركية.

زكو أعربت أنها لم تتخيل أن تصبح في يوم من الأيام لاجئة وليس بمقدورها العودة الى بيتها الذي بقي فيه ذكرياتها وممتلكاتها ونقلت “ما حسنا نجيب شيء من البيت، حملنا فقط المصاري والذهب وفررنا بروحنا”.

كوبان والذي لمْ يتمالك نفسه، كانت دموعه أسرع من كلماته. قالها بحسرة: “25 سنة وأنا أبني مستقبلاً أفضل لأولادي. تركنا كل شيء في كوباني وهربنا”، كوبان وغيره تغيرت أحواله وأسرته اللاجئة في مدينة سروج التركية. نزح عن قريته “ديدقي- 7 كلم جنوب كوباني” ليلة بدء قوات التحالف قصف مقرات داعش، وصل إلى مدينة سروج التركية. وعن مشاعره المشوشة عبر أنه “في البداية ارتفعت معنوياتنا بعد القصف الجوي للتحالف الدولي على داعش، ولكن يوماً بعد يوم أصبح اليأس سيد الموقف”، فالحرب وبحسب كوبان ستمتد لسنوات، والقصف الجوي لم يمنع زحف الجهاديين نحو مسقط رأسه، وأضاف “وصلوا إلى كوباني قبل أيام، ولا اعتقد أن هذه الحرب قصيرة الأمد، ولا نأمل عودة قريبة إلى ديارنا، أعلم تماماً أننا سنمر بأيام صعبة”، وعن الصعوبات التي تعانيها الأسرة قالت دلزوز، زوجة كوبان التي كانت تجلس إلى جانبه في صالة أفراح: “النساء والأطفال الأكثر تضرراً، لا مكان يأويهم ولا مأكل، هنا يقدم فاعلو الخير ما تيسر، ولكن ينقصنا الكثير حتى مراحيض الحمام نحرم منها أحياناً، لكثرة الأعداد التي نزحت إلى هذه المدينة الصغيرة”.

وفتح أهالي سروج التركية الجوامع وصالات الافراح والمنازل المهجورة والمحال التجارية المغلقة، والمستودعات لتأوي الاعداد الكبيرة من النازحين. هؤلاء جلسوا على أمتعتهم التي حملوها معهم من ديارهم، وبقي الكثير من الرجال على الحدود لحماية سياراتهم ومواشيهم. أما اغلبية النازحين قصدوا مدينة سروج والبقية سافر قسم منهم الى مدن أورفة و ديار بكر وغازي عنتاب، ومرسين وغيرها من المدن التركية.

 

ينحرون الرجال ويتزوجون النساء عنوةً

المعارك التي تشهدها كوباني خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة والتي وصفت بالأعنف منذ بدئها الصيف الماضي، دفعت أكثر من 200 ألف لاجئ النزوح إلى الحدود. وقد لجأ الكثيرون منهم إلى أقربائهم في الجانب التركي، ذلك أن العديد من القرى المحاذية للحدود من الجانبين السوري والتركي تربطها علاقات قرابة فيما بينها.

ومن بين هؤلاء النازحين حسو، الذي هرب من مدينته رفقةً مع عائلته، مصطحباً معه سيارته وبقرته وماشيته. ركنها بالقرب من الأسلاك الشائكة الفاصلة بين الحدود السورية التركية، كما فعل كل الذين يمتلكون سيارات أو ماشية من بقر وغنم، وظلوا هناك لحراستها. وعندما بدأ حديثه من الجانب قالها حسرةً “لا نملك شيء غير هذه الماشية والسيارة، اموت هنا أفضل من الموت بقذيفة او من حرقة قلبي”.

وكانوا قبل يومين تعرضوا لهجوم من قبل جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أمام أعين الدرك التركي الذي لم يحرك ساكناً. وكان حسو وقتها متواجدا في المنطقة الحدودية من الجانب السوري. يروي الحادثة قائلاً: “لقد تحدثوا معنا في البداية وقالوا لنا إنهم يريدون أخذ سياراتنا لأنهم يحتاجونها في القتال”. ويضيف: “قلت لهم: ولماذا تريدون أخذ سياراتنا؟ هل الشرع يسمح لكم بذلك ونحن مسلمون مثلكم؟ فردوا عليّ: لقتال الكفار”. ويوضح قائلا: “الكفار هو أنا وأبنائي وأقربائي، فأي دين سماوي يسمح بالسطو على أملاك الناس بحجة قتال الكفار؟”.

ويصف حسو مظهرهم قائلاً: “كان شعرهم طويل ومخيف ولحاهم طويلة. يلبسون أزياء عسكرية غير نظيفة أو ملابس أفغانية. يربطون رؤوسهم بأوشحة سوداء رسم عليه علمهم الخاص”، ويضيف قائلا: “هؤلاء لا يشبهون البشر في شيء”. وعن جنسياتهم أردف قائلاً: “لهجتهم العربية كانت توحي انهم من دول المغرب العربي كونها كانت ثقيلة بعض الشيء، ومن بين هؤلاء كانوا اجانب لا يعرفون التحدث بالعربية”.

من جهته، أكد حجي مامو أن الكثيرين من أقربائه من كبار في السن والعجز بقوا في قراهم بعد اجتياح مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” لها، لافتاً إلى أنهم اختبأوا تحت الأرض إلى حين انتهاء المعارك الطاحنة. ويضيف حجي مامو: “نتصل معهم يومياً للاطمئنان عليهم. وينقلون لنا ما يحدث هناك. لقد أخبرونا بأن أغلب البيوت تعرضت للسرقة والنهب، وأخرى أُحرقت”، وينحدر حجي مامو من قرية تاشلوك. وتابع حديثه: “لقد اختطفوا خمسة رجال وامرأتين من قريتنا”، معرباً في الوقت نفسه عن قلقه الشديد حول ما يمكن أن يلحق بهم. وقال: “لقد سمعنا بأنهم ينحرون الرجال، فيما يحتفظون بالأطفال ويرغمون النساء على التزوج بهم”، موضحاً “لا نعلم إن كانوا أحياء أو أموات، فليكن الله معهم!”

اطفال كوباني يحملون بطانيات بعد ان تركوا كل شيء في بلدتهم

نزوح أكثر من 200 الف لاجئ

محي الدين شامليان مسؤول فرع الهلال الاحمر في كوباني أو “ Hiva Sor” كردياً، وضح أنه في اليوم الأول والثاني (19 و20 سبتمبر أيلول) واليوم التاسع (26 نفس الشهر) كانت نسبة النازحين أكبر، وقدر عدد العابرين بأكثر من خمسة عشر ألف شخص دخلوا الجانب التركي”. وأفاد “يقدر عدد اللاجئين بأكثر من 200 ألف دخلوا من نقطة مرشيد بينار وجولك التركية، وتم إرسال جميع الوافدين من باقي النقاط إلى هذه النقط كونها كانت أكثر آمناً”، وأضاف “بحسب الاحصائيات التركية الرسمية الصادرة عن مكتب شؤون اللاجئين والذي فتح مكتباً هنا، بلغ عدد العابرين 180 ألف، عدا أول يومين ولم يتسنى لهم تسجيل النازحين، لذلك نقدر عدد الوافدين أكثر من 200 ألف شخص دخلوا الاراضي التركية منذ يوم الجمعة الماضي”. ولخص كلامه: “الان الحدود مغلقة منذ يوم الاثنين الماضي بعد ان وصلت داعش الى مركز المدينة، وبحسب مصادرنا لم يتبقى الكثير من المدنيين، قلة فقط اختاروا البقاء هناك ولا نستطيع تقدير عددهم بالضبط”.

 

قصةالمقاتل الشجاع

الدكتور محمد عارف علي (اخصائي في الأشعة التشخيصية وطبيب ميداني) عاد للتو من مدينة كوباني المحاصرة، التي شهد فيها حادثة تخلص من خوف فزاعة تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي نشر مقاطع مصورة عديدة على الانترنت، يظهر فيها كيف يقطع رؤوس من يقع لديه في الأسر. ويروي الطبيب قصة كان لها وقع كبير عليه، قائلاً: “عشية ليلة العيد وصل إلى المشفى الميداني الذي أعمل فيه مقاتل من وحدات حماية الشعب وكانت يده اليسرى تنزف بعد أن تعرض شريانه الرئيسي لجرح. وكان يتعين إجراء عملية جراحية سريعة على يده أو بترها.”

ويضيف الطبيب قائلا: “وقتها كنا نحاول تخديره، ولكنه كان يرفض ويقول لنا اقطعوا يدي لكي أعود بسرعة إلى القتال”. ويوضح أن الطاقم الطبي وقف للوهلة الأولى عاجزاً أمام حالته، ولكنه سرعان ما قرر إجراء العملية بدون تخدير. “بقينا حتى ساعة متأخرة من الليل، والعملية نجحت ولكن كان يجب متابعة الجريح.” المفاجئة كانت في اليوم التالي عندما ذهب الطبيب للاطمئنان على صحة المريض. وتابع كلامه: “عندما وصلت إلى غرفته لم أجده، وقالت لي الممرضة المرافقة له بأنه عندما أفاق من النوم لبس زيه ورفض البقاء في المشفى، مصراً على الذهاب إلى القتال”. بعدها لم يعد الشاب إلى المشفى لإكمال العلاج أو فك ضماد جرحه، عل ما يروي محمد عارف. وبعد تلك الحادثة بعدة أيام عاد الشاب ذاته مرة ثانية إلى المشفى، ولكن ليس لإكمال العلاج. وبحسب الطبيب “كان مصاباً في قدمه وعندما وصل إلى باب المشفى قال لي ضاحكاً: جرحي أجبرني على العودة إليكم”.

فالغارات التي تشنها طائرات التحالف الدولي على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” لم تثنه عن التقدم، لكن المعارك بين المقاتلين الأكراد وعناصر هذا التنظيم الإرهابي مستمرة داخل أحياء كوباني، التي تشهد حرب شوارع بعد تقدم التنظيم في الجانب الشرقي والجنوبي من المدينة ورفعوا رايتهم لأول مرة على أحد المباني.

ويذكر ان “كوباني” باللغة الكردية واسمها الرسمي “عين العرب”، لغة سكانها الام الكردية، وهذه المدينة تقع على بعد 180 كيلومترا شمال محافظة حلب. تفصل بينها وبين الحدود التركية 4 كيلومترات شمالاً، نزح عنها أغلب المدنيين في أكبر موجة نزوح شهدتها سورية منذ بداية اندلاع الحراك الشعبي المناهض لنظام الحكم منذ آذار/مارس عام 2011.

 

Exit mobile version